القائمة الرئيسية
 
صفحة البداية
موضوع الدين
الإيمان بالله عزَّ وجلَّ
الإيمان بالملائكة عليهم السلام
الإيمان بالكتب المنزَّلة
الإيمان بالرسل والأنبياء عليهم السلام
الإيمان باليوم الآخر
الإيمان بالقدر
عالم الجن
معنى الشهادتين ومقتضى العمل بهما
نواقض الإيمان
الأولياء والكرامات
عن السكربت
 

إعلانات
 تم تركيب السكربت بنجاح
 

::: العقيدة الاسلامية :::
 

صفات الرسل عليهم السلام:

أ- الفطانة:

      الفطانة: هي الذكاء والنباهة، ولم يبعث نبي إلا وكان على جانب عظيم من الذكاء والنباهة مع كمال العقل والرشد.

      قال الله تعالى في وصف إبراهيم الخليل عليه السلام: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [الأنبياء: 51].

      فبالفطانة يستطيع النبي أو الرسول أن يعرف ما يُلقى إليه من الوحي، وبها يستطيع أن يحفظه ولا ينساه، وبها يستطيع أن يبلغه كما أوحي به إليه، وبها يستطيع بعد ذلك أن يعالج أمته بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة، وفق طبائعهم وأخلاقهم، وبها يستطيع أن يحاجج ويجادل الخصوم.

      ومن الأدلة التي تشهد لفطانة الرسل عليهم السلام الصلاة والسلام: قوله تعالى في إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 83].

      فإن إبراهيم عليه السلام قد جادل النمروذ الطاغية الذي ادعى الألوهية، فحاجّه وبهته(1) حيث إن إبراهيم عليه السلام قال للنمروذ عندما سأله من ربك؟ فأجابه: ربي الذي يحي ويميت. فقال النمروذ: أنا أحي وأميت؟ فأتى برجلين قد حكم عليهما بالإعدام، فأمر بعدم قتل أحدهما مع الحكم بإعدامه، فبزعمه أنه أحياه وأمر بقتل الثاني فبزعمه أنه أماته

      فلم يشأ إبراهيم عليه السلام بما أوتي من فطنة عظيمة أن يشتغل بإبطال ما ادعاه النمروذ، وإنما نقله إلى مظهر آخر من مظاهر أفعال الله سبحانه وتعالى فقال له: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب؟! عندئذ بهت النمروذ ولم يجد جواباً فسقط بذلك ادعاؤه الربوبية.

      قال الله تعالى في شأن ذلك: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربّه أن آتاه الله الملك، إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أُحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258].

      وقد ثبت له موقف آخر من قبل وهو فتى في المحاجة مع قومه حين حطم الأصنام كلها بيده إلا صنماً كبيراً ثم علّق القَدُّوم(2) في عنق هذا الصنم الكبير ليقيم الحجة على قومه... فحين علموا أنه هو الفاعل قدموه للمحاكمة وسألوه: من الذي حطم آلهتنا وأقدم على تكسير الأصنام؟ هل أنت الذي فعلت ذلك يا إبراهيم؟

فأجابهم عليه السلام: إنني لم أحطمها ولكن الصنم الكبير والإله العظيم- بزعمهم- هو

_________________

(1) أي حيَّره.

(2) آلة ينحت بها.

الذي حطمها لأنه لم يرض أن تعبد معه، والدليل على ذلك أنه وضع القدوم في عنقه، وإذا لم تصدقوا كلامي فاسألوهم عن ذلك الأمر وسلوه... وفي هذه المرحلة كان قد بلغ إبراهيم إلى غايته وهدفه، فأقام عليهم الحجة بعد أن سفَّه عقولهم، وجعلهم يضحكون من أنفسهم... وهكذا يكون منطق الأنبياء.

      قال الله تعالى في شأن ذلك: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين *إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين* قال لقد كنتم أنتم وأباؤكم في ضلال مبين* قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين* قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين* وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين* فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون* قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين* قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون* قالوا ءَأَنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون* فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون* ثم نكسوا على رُءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون* قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون} [الأنبياء:51-67].

      ومن الأدلة التي تشهد لفطانة الرسل عليهم السلام قصة نوح عليه السلام مع قومه حيث جادلهم وسلك معهم مسلك الحكمة والأسلوب المقنع إلا أنهم ضاقوا ذرعاً بقوة مجادلته وبيانه وردوه رداً غير جميلٍ.

      قال الله تعالى في ذلك الشأن: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} [هود: 32].

      وممَّا يدل على فطنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى: {ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربِّ زدني علماً} [طه: 114].

      وتفسير ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يتعجل بترديد آياته من قبل أن يقضى إليه وحيه من كمال الذكاء والفطنة.

      وقوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرءانه} [القيامة:16-17].

      وتفسير ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يحرك لسانه بالقرآن الكريم لحفظه وخشية ذهابه، وهذا من حدة الفطانة والدعاء.

      وقد شهد الله له بأنه لا ينسى وهذا دليل قوي على قمة الذكاء قال الله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى: 6].

      وقد أمره الله بمجادلة خصومه بالتي هي أحسن، والمجادل عليه أن يتميز بنباهة زائدة وفطانة عالية حتى يوصل خصومه إلى طريق الحق ويعرفهم به.

      قال الله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125]. فأمر الله له بمجادلة الخصوم يثبت له فطانة فائقة.

      فالأنبياء عليهم السلام متصفون بالذكاء والفطانة، والله يختار لمنصب النبوة الذكي الفطن ولا يختار لها من اتصف بالغباوة والبلادة وضعف التفكير.

      ب- الصدق:

      - إن صفة الصدق صفة ملازمة للأنبياء عليهم السلام، فهي من الصفات الفطرية فيهم، فلا يمكن للنبي أن يصدر منه صفة قبيحة أو ما يخلّ بالمروءة كالكذب وأكل أموال الناس بالباطل والخيانة. أو سرقة لقمة لأن هذه الصفات لا تليق برجلٍ عادي، فكيف بنبي مقرب أو رسول مكرم؟!

      - ولو وقع الكذب من الأنبياء عليهم السلام لانعدمت الثقة فيما ينقلونه من أخبار الوحي أو ما يرونه من الله عزّ وجل ..

      - ولو عرف أحد الرسل بين الناس بالكذب، لم يسلموا له بدعوى الرسالة ورفضوا الالتفات إليه إبتداءً لما يعلمون من كذبه، وذلك إخلال بمهمة الرسالة ونقض لها، وعثرات في طريق المهتدين إلى الصراط المستقيم.

      وقد ثبت صدق رسولنا صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {ولو تقوّل(1) علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين(2) * ثم لقطعنا منه الوتين(3) * فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين} [الحاقة: 44- 47].

      وتقرير صدقه صلى الله عليه وسلَّم: أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق فيما أبلغ الناس وأنه لو افترى الكذب أو تقول بعض الأقاويل التي لم يوح بها إليه لأخذه الله بقوة فقضى عليه، ولما كان هذا لم يقع فهو صلى الله عليه وسلم لابدَّ صادق.

      وقد شهد القرآن الكريم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به وحي من عند الله وهو الحق، والحق في التبليغ هو الصدق. قال تعالى: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3،4]. وقال تعالى:{يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحقّ من ربكم فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيماً} [النساء:170].

________________

(1) افترى الكذب.

(2) أي بالقوة.

(3) الوتين : نياط القلب والنخاع الذي متى قطع هلك صاحبه.

      - وحين سأل (هرقل) ملك الروم أبا سفيان بن حرب - قبل إسلامه - عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم، هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: ما عرفنا عليه كذباً قط! فقال هرقل بعد ذلك قولة مشهورة: ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.

      ومن خلال تتبع تاريخ الرسل عليهم السلام نجد أنهم قبل بعثتهم كانوا صادقين مع الناس لا يكذبون وكانوا مؤتمنين لا يخونون، وهذا واقع لا ينكره أحدٌ من الناس.

      وقد اشتهر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعث بأنه الصادق الأمين، وكان المشركون يسمونه بهذا.

      والله سبحانه وتعالى يؤيد رسلَه بالمعجزة التي لا يعارضها أحد وهي دليل على صدقهم، فلو كان أحدهم كاذباً ما أجرى على يديه المعجزة.

      وقد أشار موسى عليه الصلاة والسلام في خطابه إلى فرعون إلى أن شاهد المعجزة دليل صدقه في النقل عن ربه، ولو كان كاذباً لم يجر الله على يديه المعجزة.

      قال الله تعالى في ذلك: {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين * حقيقٌ على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل} [الأعراف: 104، 105] ومعنى ذلك: أنا لا أقول إلا الحق عن ربي ودليل هذا الحق المعجزة الباهرة، وقد أيدني بها الله جلَّ وعلا.

      وهكذا بقية الرسل عليهم الصلاة والسلام يوصفون بالصدق ولا يوصفون بالكذب مطلقاً.

      ج- الأمانة:

      صفة الأمانة من الصفات الضرورية للأنبياء عليهم السلام، والنبي أمين على الوحي، فهو يبلغ أوامر الله ونواهيه إلى الناس دون زيادة أو نقص، ودون تحريف أو تبديل.

      فكل الأنبياء عليهم السلام مؤتمنون على الوحي يبلغون ما أوحي إليهم كما نزل، لا يمكن لهم أن يخونوا، أو يخفوا ما أمرهم الله به، لأن الخيانة تتنافى مع الأمانة.

      فالرسل الكرام عليهم السلام قد أدوا الأمانة على الوجه الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى، وكانت الرسل تنصح أقوامها وتردد على ألسنتها أو حالها ينطق بذلك.

{ولكني رسولٌ من ربِّ العالمين* أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} [الأعراف: 67، 68].

      قال الله تبارك وتعالى في ذلك الشأن: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً} [الأحزاب: 39].

      فكل الرسل عليهم السلام المبلغين لرسالات الله يخافون الله ويخشون عذابه، ولا تحدثهم أنفسهم بالخوف من أحد إلا من الله عزّ شأنه.

      فمن خاف الله وخشيه، فهل يخون ما ائتمنه عليه؟!

      فالرسول لا يستطيع أن يبدِّل أو يغير شيئاً مما أوحي إليه إنما يفعل ما يأمره الله به.

      قال الله تبارك وتعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بيناتٍ قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءانٍ غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} [يونس: 15].

      ولو لم يكن في الأنبياء عليهم السلام الأمانة لتغيرت معالم الرسالة وتبدَّلت، ولما اطمأنَّ المرء على الوحي المنزل فالرسول ليس بمتهم على الوحي والغيب بل هو أمين .

      هـ- التبليغ:

      صفة التبليغ وهي أن يخبر الرسل أحكام الله، ويبلغوا الوحي الذي نزل عليهم، ولا يكتموا شيئاً منه، ولو في تبليغه للناس ايذاء عظيم لهم أو شر كبير يلحق بهم من أعدائهم.

      قال الله تبارك وتعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً* إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً(1)* ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيءٍ عدداً} [الجن: 26-28].

      {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها(2) رسولاً يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} [القصص: 59].

      قال الله تبارك وتعالى في شأن نوحٍ مع قومه: {قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين* أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون} [الأعراف:61-62].

      وقال تبارك وتعالى في شأن هود عليه السلام مع قومه: {قال يا قوم ليس بي سفاهة(3) ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} [الأعراف: 67، 68].

      وقال عزَّ وجلَّ في شأن صالح عليه السلام مع قومه: {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} [الأعراف: 79].

      وقال عزَّ وجلَّ في شأن شعيب عليه السلام مع قومه: {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف ءاسَى على قوم كافرين} [الأعراف: 93].

      وقال تبارك وتعالى في شأن محمد صلى الله عليه وسلم: {يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67].

___________________

(1) حرساً من الملائكة يحرسونه.

(2) أي في جماعتها.

(3) أي خفة عقل وضلالة عن الحقّ.

      ومما يدل على أن الرسل لم يكتموا وبلغوا ما أنزل الله عليهم:

      أولاً: أن الله شهد لهم بأنهم بلغوا، وذلك كثير في القرآن الكريم: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً} [الأحزاب: 39].

      {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً} [الجن: 28].

      ثانياً: إن الله سبحانه وتعالى قد ذم أهل الكتاب الذين يكتمون شيئاً من التوراة والإنجيل فلم يرضَ منهم هذا الكتمان وهم أشخاص عاديون، فكيف يرضاه ممن اختارهم الله لحمل رسالاته؟!

      قال الله تبارك وتعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146].

      {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159].

      {إن الذين يكتمون ما أنزل الله في الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم* أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النّار} [البقرة:174، 175].

      ثالثاً: إن الرسول الأكرم محمداً صلى الله عليه وسلَّم بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ولم يكتم شيئاً مما أمره الله بتبليغه.

      قال الله عزّ من قائل: {وما هو على الغيب بضنين} [التكوير:24]. ومعنى الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبخل بالوحي بل يعلمه كما علم ولا يكتم شيئاً مما علمه.

      ولو كان محمد صلى الله عليه وسلَّم كاتماً شيئاً مما نزل عليه لكتم العتابات التي وجهت إليه من قبل الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم:

      مثل قوله تعالى في قصة زينب مطلَّقة زيد بن حارثه الذي كان قد تبناه قبل أن ينزل عليه تحريم التبني.

      {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحقُّ أن تخشاه فلما قضى زيدٌ منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهنَّ إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً} [الأحزاب: 37].

      ومثل قوله تعالى في أسرى بدرٍ حيث مال الرسول صلى الله عليه وسلَّم إلى عدم قتلهم.

      {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثخِنً في الأرض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 67].

      ومثل قوله تعالى في قصة انشغال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن ام مكتوم الضرير(1) بدعوة كبار المشركين إلى دين الإسلام فعاتبه الله تعالى على ذلك: {عبس وتولى* أن جاءه الأعمى* وما يدريك لعله يزكّىَ(2) * أو يذكر فتنفعه الذكرى* أما من استغنى* فأنت له تصدى* وما عليك ألا يزكى*وأما من جاءك يسعى*وهو يخشى* فأنت عنه تلهى} [عبس: 1-10].

      - فالرسل عليهم السلام بلغوا ما أمرهم الله ولم يكتموا شيئاً من ذلك.

      د- العصمة:

      العصمة صفة يتصف بها الأنبياء عليهم السلام على الخصوص دون غيرهم من البشر.

      ومعنى العصمة: حفظ الله تعالى أنبياؤه ورسله عن الوقوع في الذنوب والمعاصي وارتكاب المنكرات والمحرمات.

      العصمة من الكفر للأنبياء: الأنبياء معصمون عن الكفر مطلقاً قبل النبوة وبعدها.

      عصمة الأنبياء قبل النبوة من الصغائر والكبائر: لم يرد نص قاطع في عصمة الأنبياء قبل النبوة لا عن الصغائر ولا عن الكبائر إلا أن سيرتهم التي أثرت عنهم قبل نبوتهم تثبت أنهم أبعد الناس عن المعاصي كلها كبيرها وصغيرها وإن وقع منهم شيء من ذلك فهفوات نادرة لا تمس ولا تطعن علو فطرتهم وصفاء نفوسهم وأرواحهم.

      والحكمة في ذلك: أن هذه الهفوات تثبت بشريتهم أمام الخلائق، فلا يستطيع البشر عندئذٍ رفعهم فوق المستوى البشري ولا وصفهم بصفات الألوهية وبهذا يظهر الفرق بين أحوالهم قبل النبوة وأحوالهم بعدها.

      عصمة الأنبياء بعد النبوة من الصغائر والكبائر: تمنع المعاصي الكبائر بعد النبوة مطلقاً، فالأنبياء معصومون عن الكبائر مطلقاً.

      وكذا تمنع المعاصي الصغائر عمداً فلا يقع من الأنبياء صغائر عمداً ولا صغائر فيها خمسة: كسرقة لقمة، وإنما تقع منهم الصغائر سهواً سوى ذلك من الصغائر كالسهو والنسيان لكن لا يصرون ولا يُقَرون بل يُنبهون فينتبهون ويتوبون قبل أن يقتدي بهم أحدٌ.

      قال الله تعالى في حق جميع الرسل عليهم السلام: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام].

______________

(1) الأعمى.

(2) يتطهر بتعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم من دنس الجهل.

      وقال الله تعالى في شأن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلَّم:

{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخِر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب: 21].

      تقرير ذلك: إن الله أمر الناس أن يتبعوا رسولهم ويقتدوا به في اعتقاداته وأقواله وأفعاله لأنه هو الأسوة الحسنة -إلا ما كان خاصاً به أي خصه الله به ولم يأمر أمته بذلك- وهذا كله بعد الرسالة. فالرسول في هذه الحالة كل أفعاله وأقواله موافقة لطاعة الله عزَّ وجلَّ، فلو وقعت منه معصية لوجب على الناس اتباعه لأنهم مأمورون من الله بالاتباع، والله سبحانه لا يأمر باتباع المعصية وإنما يأمر باتباع العمل الصالح فلذلك كانت العصمة لهم.

      - العصمة لغير الأنبياء:

      إن كل إنسان في هذا العالم معرَّض للخطأ والوقوع بالمعصية والانحراف فلا عصمة إلا للأنبياء عليهم السلام ومن ادعى العصمة لغير الأنبياء فعليه أن يأتي بالدليل من الكتاب والسنة.

      وقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "ما منا إلا ردَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر" ويعني بذلك أن كل إنسان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخطىء فيُرَدُ عليه بسبب خطئه إلا شخص واحدٌ قد أوتي العصمة وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يُرَدُّ عليه لأنه مؤيد بوحي من الله عزَّ وجلَّ.

      - بيان معاصي الأنبياء أو ما يوهم المعصية التي وردت في النصوص الشرعية:

      1- ما ورد في حقِّ آدم عليه السلام:

      قال الله تعالى: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى* ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} [طه: 120-122]

      إن المعصية التي وقعت من آدم عليه السلام كانت قبل النبوة بدليل قوله تعالى:

{ثم اجتباه ربّه فتاب عليه وهدى} [طه: 122]. وكان ساعتئذٍ ناسياً بدليل قوله تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزماً} [طه: 115].

      2- ما ورد في حقِّ نوحٍ عليه السلام:

      قال الله تعالى: {ونادى نوح ربَّه فقال ربِّ إنَّ ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنَّ من فسر {إنه ليس من أهلك} أي ليس هو ابنك الشرعي. فقد وقع في خطأ مبين فهو إما جاهل أو مغرض. وإبطال كلامه ظاهر في الآية نفسها حيث يأتي بعد هذه الجملة من الآية {إنه عملٌ غير صالح} وهذا تعليل للكلام السابق فإن كلمة (إنَّ) تأتي للتعليل كما هو معلوم في علم أصول الفقه، فالتفسير يكون إنه ليس من أهلك بسبب أنه عمل عملاً غير صالح وكان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فمن قال بإنه غير ابنه غير ابنه الشرعي فقد تكلم بغير دليل ولا فهم سليم للآية. والله الهادي إلى الصواب {إنه عملٌ غير صالح فلا تسئَلْنِ ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إني أعوذ بك أن أسئَلَكَ ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 46، 48].

      لقد دعا نوح عليه السلام ربَّه أن ينجي ولده من الغرق بسبب الطوفان بعد أن ركب نوح ومن آمن من أهله، وقومه السفينة التي صنعها بيديه بأمر من الله عزَّ وجلَّ، لأن الله أخبره أن يحمل أهله وخبر الله لا يكذب قال تعالى: {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور(2) قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] ولكن الله أهلك ابنه، وأغرقه لأنه كان من الكافرين فلم يكن نوح عليه السلام آثماً أو مرتكباً معصية عندما سأل الله أن ينجي ابنه لأنه لم يعلم قبل ذلك بأنه كافر لأنه كان منافقاً يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وقد نهى الله نوحاً قبل الطوفان أن يسأل النجاة عن الذين ظلموا وكفروا قال تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذي ظلموا إنهم مغرقون} [هود: 37].

      فكيف له بعد الطوفان أن يسأل النجاة لابنه إن كان يعلم بكفر، وظلمه فيكون - لو علم بكفره وسأل النجاة - قد عصى الله صراحة وخالق أوامر الله ولا يفعل ذلك رسول قط.

      فإذا قوله {إنّ ابني من أهلي} ظناً منه عليه السلام أن ابنه مؤمن يتبع دينه ولكن ظهر خلاف ذلك، فكان نوح لا يعلم بما يبطن ودليل ذلك قوله تعالى: {فلا تسئَلن ما ليس به علم} [هود: 47]. فلم يكن عالماً بهذا من قبل فعندها تبرأ الأب وهو نوح من ابنه واستعاذ بالله، قال تعالى من هذا الشأن {قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}.

      فنوح عليه السلام يسأل الله على الظاهر الذي عنده، فلمَّا كشف الله له حقيقة الأمر، سلَّم الأمر وفوَّضه إلى الله وتيقن أنه - لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون - ورجع نوح مستعيناً بالله طالباً منه الرحمة والغفران وان لا يجعله من الخاسرين وهذا مقام تحقق العبودية الخالصة لله تعالى.

      من قوله تعالى: {وإذا قال إبراهيم لأبيه ءازَرَ أتتخذُ أصناماً ءالهِةً إِنّى أرَاكَ وقومك في ضلالٍ مبين * وكذلك نُرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جنَّ عليه الَّيل رءا كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رءا القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريءُ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين * وحاجهُ قومه قال اتحاجوني في الله وقد هدانِ ولا أخافُ ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً وسع ربي كل شيء علماً أفلا تتذكرون *وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحقُّ بالأمن إن كنتم تعلمون * الذي ءامنوا ولم يلبسوا إِيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمنُ وهم مهتدون * وتلك حُجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ من نشاءُ إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 74- 83].

      قد يظن بعض الناس عندما يقرأ هذه الآيات أن إبراهيم عليه السلام كان يعبد الكواكب ويعبد القمر والشمس وأنه قد تأثر بقومه فسار على دربهم في الاعتقاد وهذا جهل في حق الأنبياء وخطأ ظاهر ممن لا يفهم معاني القرآن الحكيم.

      فإن هذه الآيات لا تدل أبداً على وقوع الشك من إبراهيم عليه السلام لأن سياق الآيات يدل على المحاجة بين إبراهيم وقومه بدليل أول الآية: {وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين}. وبدليل آخر الآية: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه}.

      أي: أوتي الحجة التي دفع فيها أصحاب العقيدة الباطلة وهم قومه.

      فالقصة التي ساقها القرآن الكريم إنَّما ترمز إلى أسلوب الإقناع وقوة الحجة التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لنبيه وخليله إبراهيم عليه السلام وكيف استطاع أن يفحم قومه في إقامة الحجة والبرهان على وجود الله عزَّ وجلَّ، وكيف استطاع أن يبين لهم ضلالهم وخطأهم في عبادة الكواكب والقمر والشمس، ويظهر أن إبراهيم عليه السلام قد سلك معهم أيسر الطرق لبلوغ غرضه، فلم يجابههم بالضلال وإنما تدرج معهم فادعى أنَّ الكواكب الذي رآه ساطعاً في السماء هو ربه ليستأنسوا بكلامه ثم لما غاب الكوكب أنكر أن يكون هذا الكوكب صالحاً لكونه رباً لأنه متغير ومحدود وكل ذلك علامة الحدوث والله سبحانه منزه عن ذلك ثم لما رأى القمر ظاهراً مضيئاً قال: هذا ربي -فهذا تدرج ليبطل عقيدتهم- فلما غاب القمر وذهب نوره أنكر أن يكون رباً معبوداً، وهنا لمح إبراهيم إلى ضلالهم، ولكن بأسلوب في منتهى الحكمة حيث قال: {لئن لم يهدني ربي لأكون من القوم الضالين} فلم يصرِّح بضلالهم وإنما اتهم نفسه بالضلالة إن عبد هذا الإله المتصف بصفات الحدوث، وقوله: {من القوم الضالين} تلميح بضلالة من عبد القمر، ثم لما بزغت الشمس وسطعت بأشعتها على الكون وأضاءت الوجود قال عن الشمس إنها ربه فهي أكبر المخلوقات فمن كان أكبر كان أحقّ بالعبادة من سائر النجوم والكواكب، وقال ذلك ليقيم الحجة على ضلالهم، فلما غابت الشمس وتوارت خلف الأفق ولم يعد لها نور ولا ضياء عندها صرح هنالك بضلال من يعبدها أو يعبد تلك المحدثات، وتبرأ من قومه ومن عبادتهم لها، وذلك بعد أن ظهرت الحجة وبان الحق {قال يا قوم إني بريء مما تشركون} عندها أعلن عقيدته التي يؤمن بها من قبل {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين}.

      فظهر أن هذه الأقوال من إبراهيم عليه السلام لم تكن شكاً في الله ولم تكن جهلاً بالخالق جل وعزَّ، وإنما كانت من أجل إقامة الحجة على ضلال قومه عن طريق البرهان والاستدلال وإفهامهم بأعظم الحج الدامغة.

      وقال الله تعالى أيضاً في حقِّ إبراهيم عليه السلام {وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهنَّ يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم} [البقرة: 260]

      - وقد توهم بعض الناس أن إبراهيم قد شك في قدرة الله عزَّ جلَّ على إحياء الموتى، وهذا خطأ فادح وعدم معرفة في حق الأنبياء عليهم السلام، والحقُّ أن إبراهيم عليه السلام لم يشك لحظة في قدرة الله عزَّ وجلَّ وقد قطع النبي محمد صلى الله عليه وسلم دابر الوهم بقوله: "نحن أحقّ بالشك من إبراهيم" أي نحن صلى الله عليه وسلم لم نشكَّ أبداً فمن باب أولى أن لا يشك أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام.

      فإن إبراهيم عليه السلام لم يسأل، عن حقيقة القدرة أي: (هل تقدر أن تحي الموتى؟) وإنما سأل عن كيفية إحياء الموتى فقال: {ربي أرني كيف تحي الموتى} والسؤال عن الكيفية إنما هو بقصد التَطلع وعندما يجيء هذا التطلع من إبراهيم عليه السلام فإنه يكشف عما يختلج أحياناً من الشوق لرؤية أسرار الصنعة الإلهية في قلوب أقرب المقربين.

      - وما ورد في حقه عليه السلام في الحديث ما يوهم عدم العصمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: اثنتين منهنَّ في ذات الله قوله: (إني سقيم) وقوله: (بل فعل كبيرهم هذا). وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها: من هذه؟ قال: أختي فأتى فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل إليها فأتي بها، وقام إبراهيم يصلي فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فأخذ حتى ركض برجله، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، فدعا بعض حجبته، فقال إنك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم؟ قالت ردَّ الله كيد الكافر في نحره، وأخدم هاجر.. قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء". رواه البخاري ومسلم

      الحديث الشريف المذكور لا يدلُ على نفي العصمة، فالكذبات التي نطق بها الخليل إبراهيم عليه السلام لم تكن كذباً بالمعنى المتعارف عليه إنما هو كذب صورة أمَّا في الحقيقة فهو بخلاف ذلك والدليل على ذلك سياق الموضوع لكل كلمة من الكلمات الثلاثة:

      أمَّا الأولى فكلمة {إني سقيم} قد وردت في القرآن الكريم قال الله تعالى: {وإن من شيعته لإبراهيم* إذ جاء ربَّه بقلب سليم* إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون* أئفكاً آلهة دون الله تريدون* فما ظنكم برب العالمين* فنظر نظرة في النجوم* فقال إني سقيم* فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم* فقال ألا تأكلون* ما لكم لا تنطقون* فراغ عليهم ضرباً باليمين* فأقبلوا إليه يزفون* قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون* قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم فأرادوا له كيداً فجعلناهم الأسفلين} [الصافات: 83-98].

      فإن قول الخليل إبراهيم عليه السلام (إني سقيم) أي إني مريض فكان ادعاء المرض منه مبرراً لعدم ذهابه مع قومه حيث يخلو له الأمر فيتمكن من كسر الأصنام.

      فمرضه ليس مرضاً جسيماً فعند إطلاق كلمة سقيم يتبادر إلى الذهن مرض الجسم، ولكن هو - والله أعلم - السقم المعنوي لا المادي، لأنه سقم من قومه بسبب عبادتهم للأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تغني عن صاحبها شيئاً، فحزن عليهم واشددَّ حزنه أكثر من ذلك عندما دعاهم إلى الهدى فأبوا وازدادوا في طغيانهم. فكل رسول يكون همه الأوحد هداية قومه وحرصه على أن يكونوا مؤمنين، إلا أن كثيراً من قومه يقفون أمام دعوته ويحاربونه سراً وعلانية ويؤذونه ويعتدون على أهله وأتباعه، فلذا نجد الرسول أمام هذه المواقف من قومه حزيناً عليهم مشفقاً على أنفسهم رؤوفاً بهم، وهم معرضون عنه، فتراه تعباً مريضاً من مواقفهم التي تحارب كلمة الحق وطريق الهدى.

      وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يحزن ويشتد حزنه من قول المشركين فيقول تعالى: {فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} [يس: 76].

      وهكذا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد اشتدَّ حزنه فصار سقيماً من عبادة قومه الأصنام.

      وأمَّا الثانية فكلمة (بل فعله كبيرهم هذا) فقد وردت في القرآن الكريم قال الله تعالى في شأن الخليل إبراهيم عليه السلام عندما انتهى من كسر الأصنام {قالوا من فعل هذا بالهتنا إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون * قالوا ءَأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئَلُوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 59 - 63].

      فقوله عليه السلام (بل فعله كبيرهم هذا) من باب السخرية والتهكم بقومه وبآلهتهم التي هي جماد لا تنطق ولا تقدر على شيء، والذي يدلُّ على ذلك قوله تعالى: {فاسألوهم إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 63] فكان كلامه (بل فعله كبيرهم هذا)جواباً مسكتاً لخصمه محرجاً له، فهذا ليس من الكذب في الحقيقة وإنما هو نوع من البرهان والحجة.

      وأمَّا الكلمة الثالثة: (هذه أختي) فقد وردت الكلمة في الحديث المذكور سابقاً.

      فهذا ليس بكذب في الحقيقة وإنما هو في الصورة والدليل على ذلك أنه قال لزوجته سارة: (فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك).

      والله سبحانه وتعالى يقول: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10]. فإن كلمة أختي توهم أنها أخته بالنسب، فقد عرَّض في كلامه ولم يصرِّح حتى يدفع الضرر ودليل ذلك قول الخليل إبراهيم عليه السلام: "إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك" فهذا التعريض لا يؤاخذ صاحبه ولا يأثم.

      4- ما ورد في حق يوسف عليه السلام:

      قال الله تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24].

      إن هم يوسف عليه السلام في هذه الآية خاطر نفسي لم يصمم عليه، وقد صرف هذا الخاطر بخوفه من ربه وإخلاصه له وعصمة الله له ولولا ذلك لحدث ما حدث قوله تعالى: {لولا أن رأى برهان ربه(1)} أي العصمة والحفظ بدليل ما جاء من العبارة بعدها مباشرة {وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين}.

      فهمه عليه السلام لا شيء فيه بل فيه حسنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هم بسيئة فلم يعملها كانت له حسنة" متفق عليه.

      وأمَّا قوله تعالى: {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} [يوسف: 52 - 53] فهذا الكلام من كلام امرأة العزيز وليس كلام يوسف عليه السلام وسياق الآيات يدلُّ على ذلك ولننظر إلى الآية التي سبقت الآيتين المذكورتين {قال ما خطبكن إذ روادتن يوسف عن نفسه قلن حاشَ لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأتُ العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} [يوسف: 51].

      فامرأة العزيز أعلمت زوجها بأنها هي التي راودت يوسف عليه السلام عن نفسه فامتنع {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} [يوسف: 32] ولكنها لم ترتكب الفاحشة ولم تقع فيها فهي لم تخن زوجها بغيابه {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} [يوسف:52].ثم بعد ذلك قالت: {وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} [يوسف:52]..

      فقد اتهمت نفسها بالسوء ولم تزكها، وإن كل نفس تأمر صاحبها بالسوء إلا من عصمه وحفظه كيوسف عليه السلام، ثم استغفرت ربها وطلبت منه الرحمة مما فعلت.

      5- ما ورد في حق يونس عليه السلام:

      قال الله تعالى: {وذا النون(2) إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات إن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} [الأنبياء: 87-88].

      إن يونس عليه السلام بعث إلى قومه فدعاهم فتمردوا عليه ووعدهم وقوع العذاب بهم فذهب مغاضباً بسبب قومه {وذا النون إذ ذهب مغاضباً} وبعد ذهابه رجعوا إلى الله وتابوا إليه، فركب سفينة في البحر مع جماعة فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون، فتشاوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخففوا منه، فاقترعوا ثلاث مرات ووقعت القرعة على يونس ثلاث مرات {وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق(1) إلى الفلك(2) المشحون(3) فساهم(4) فكان من المدحضين(5) * فالتقمة الحوت وهو مليم(6)} [الصافات : 139- 142].

      فلما وقعت عليه القرعة أُلقيّ في البحر، وبعث الله حوتاً عظيماً، فالتقمه ولكن لم يأكل له لحماً ولم يهشم له عظماً فضيق الله عليه {وذا النون إذا ذهب مغاضباً فظن إن لن نقدر(7) عليه} فبات في بطن الحوت ونادى أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين {فنادى في الظلمات لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}.

      فألقي بعد ذلك بمكان قفر ليس فيه شيء من الأشجار وهو ضعيف البدن {فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين} [الصافات: 145- 146].

      فأستجاب الله له ونجاه من الضيق والكرب {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} [الأنبياء : 88].

      فالله سبحانه وتعالى عاتب يونس عليه السلام لعدم الصبر ولخروجه من بين قومه بغير إذن من الله تعالى، وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله تعالى.

فكان ينبغي له الثبات اعتماداً على أن الله ينجيه كما نجى نوحاً وغيره من الأنبياء حتى يوحي إليه ما يريد.

      ولقد أمر ربنا عزَّ وجلَّ رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يصبر على تكذيب المشركين وألاَّ يكون مثل يونس عليه السلام مع قومه الذي لم يصبر وخرج بلا إذن {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الموت إذ نادى وهو مكظوم(8)*

 _____________________

(1) هرب وفرَّ.

(2) السفينة.

(3) المملوء.

(4) فقارع من في السفينة.

(5) المغلوبين في القرعة.

(6) أتى بما يُلام عليه ويعاتب.

(7) نضيق.

(8) مملوء غيظاً.

لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم(1) * فاجتباه ربه فجعله من الصالحين} [القلم : 48- 50].

      فليس في قصة(2) يونس عليه السلام نصٌّ صريح على ذنب وإنما فيها فراره عليه السلام خشية تكذيب قومه له، لِما وعدهم به من العذاب وخروجه كان بغير إذن من الله فتسرع في خطوته فأدبه الله عزَّ وجلَّ.

       6- ما ورد في حق داود عليه السلام :

      قال الله تعالى: {وهل أتاك نَبَؤُا الخصم إذ تسوَّروا المحراب(3)* إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى(4) بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط(5) واهدنا إلى سواء الصراط* إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها(6) وعزَّني في الخطاب(7) * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثبراً من الخلطاء(8) ليبغي(9) بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود انما فتناه(10) فاستغفر ربه وخرَّ(11) راكعاً وأناب(12) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى(13) وحسن مآب(14)} [ص: 21-25].

      وخلاصة قصة داود أن اثنين من الناس قد اختصما فيما بينهما وأرادا حكماً يحكم بينهما فاختارا داود حكماً، فتسللا وصعدا السور وكان عليه السلام يتعبد ويختلي بنفسه في بعض الأحيان، فلم يشعر داود عليه السلام إلا أن شخصين أمامه ففزع منهما فأخبراه أن لا يخف، إنما نحن خصمان فاحكم بيننا بالعدل، فادعى المدعي أن أخيه عنده تسع وتسعون نعجة وأنا عندي نعجة واحدة فقال لي ضمها لي بالدخول تحت ملكي وغلبني في الخصومة. فأجاب داود مباشرة دون أن يسمع كلام المدعى عليه : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فاستنكر داود لفعل شريكه ولطمعه حيث أراد أن يتنازل له عن نعجته وعنده تسع وتسعون نعجة، فعلم داود عليه السلام أنه أسرع في الحكم فكان

___________________

(1) معاتب.

(2) فليحذر من بعض التفسيرات التي تصف يونس عليه السلام بأنه أغضب الله وأنه شك في قدرة الله على الانتقام منه فهذا تفسير للآية بطريقة خاطئة وغير صحيح.

(3) عَلَوْا سُور مصلاه ونزلوا إليه.

(4) تعدَّى وظلم.

(5) ولا تظلم في حكمك.

(6) إجعلها نصيبي.

(7) غلبني وقهرني في الخصومة.

(8) الشركاء.

(9) ليظلم.

(10)ابتليناه وامتحناه.

(11)سقط.

(12)رجع إلى الله تائباً.

(13)لقربة ومكانه.

(14)حسن المرجع وهو الجنة.

ينبغي له أن يسمع كلام المدعى عليه، فاستغفر الله ورجع إليه فتاب الله عنه.

      فما قصه الله تعالى عنه في القرآن الكريم ليس فيه ما يأباه مقام النبوة، فان تسرعه في الحكم ليس فيه قصد للظلم منه، حاشاه من ذلك، ولكنه انفعل مع القصة التي رويت له فتعجب، وحكم دون سماع الطرف الآخر وهو المدعى عليه، فتنبه لذلك وشعر بنفسه أنه ما كان ينبغي له أن يفعل ذلك فرجع إلى الله تائباً مستغفراً.

      تنبيه: ما ورد أن داود عليه السلام كتب إلى قائد جيشه أن ابعث أوريا -وهو زوج امرأة حسناء رآها داود فأعجب بها وتعلق قلبه بها- إلى وجه العدو قِبَل التابوت وكان من يتقدم مع التابوت لا يجوز له أن يرجع حتى ينتصر أو يستشهد، فتقدم ففتح على يديه، فكتب له ثانياً : ابعثه لموضع كذا مرة بعض مرة، حتى قتل فتزوج امرأته.

      ما يُروى من هذه القصة فهي من طريق الروايات الإسرائلية التي بدل فيها وغير، لا يلتفت إليها، ولم يوجد شيء من ذلك في القرآن الكريم ولا في حديث صحيح.

      والذي وُجد القصة التي ذكرناها آنفاً، وحسبنا أن نعتقد بما ورد في القرآن الكريم.

      7- ما ورد في حق سليمان عليه السلام:

      قال الله تعالى: {ولقد فتنا(1) سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب} [ص : 34].

      إن الله عز وجل قد ابتلى سليمان، وهذا الابتلاء قد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم (قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة(2) تلد كلّ واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله. ولم يقل - إن شاء الله - فما ولدت إلا واحدة منهن بشق(3) إنسان، فقال رسول الله: "لو قال إن شاء الله لولدت كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله عزَّ وجلَّ".

      وبعد أن ولدت امرأته بإنسانٍ غير كامل وضع على كرسي سليمان عليه السلام الذي كان يجلس عليه لإجراء أحكام الملك.

      والذي يظهر من قصة سليمان بن داود عليه السلام أن عدم قوله إن شاء الله، لم يكن فيه ارتكاب معصية أو ذنب ولكن الله ابتلاه في ذلك ليوجهه إلى ما هو الأكمل والأفضل.

      تنبيه: ما يروى أنه كان لسليمان عليه السلام امرأة وكان مغرماً بها،فقالت له: إن فلاناً من أهلي له حقٌّ عند آخر، وأنا أحب أن تحكم له إذا جاءك فأجابها لذلك، ولكنه لم يفعل فعاتبه الله تعالى لمجرد الميل، فكان ما كان من وضع خاتمه عندها وأخذ الشيطان له وتشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، فكل هذا مأخوذ من الإسرائيليات وهو من خرافات

______________________

(1) اختبرنا، وامتحنا.

(2) لم يكن في شريعة سليمان بن داود تحديد عدد الزوجات.

(3) إنسان غير كامل.

القصاصين لا يؤخذ بها لأن فيها حطاً لمقام النبوة، وكيف يُسلَّط الشيطان على نبي من الأنبياء، وقد عصمهم الله جميعاً من ذلك، وكيف يكون الشيطان عليه سلطان، وهو ليس له سلطان على الذين آمنوا؟ قال تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} [النحل: 99-100].

      - ما ورد أيضاً في حقه عليه السلام:

      قال الله تعالى: {قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك إنت الوهاب} [ص: 35].

      والسؤال الذي يشغل البال: إن سليمان بن داود قد طلب من الله أن يؤتيه ملكاً لا يتيسر لغيره، وهذا يقتضي حبه للدنيا ولتفرده بملك عظيم لا يتيسر لغيره، وفيه حينئذٍ حرص لا يليق بزهد الأنبياء عليهم السلام في الدنيا وعدم رغبتهم فيها.

      الجواب: إن طلب سليمان بن داود ملكاً لا يكون لغيره، لم يكن حسداً منه وبخلاً بالملك، ولا يشترط أن يكون حباً يغاير الزهد بل لأن كل نبي كان له ما يفتخر به أهل زمانه ويشتهر به أهل عصره، كما اشتهر في عصر موسى عليه السلام السحرة فأبطل الله هذا السحر بعصاه التي انقلبت إلى حية عظيمة، واشتهر عصر عيسى عليه السلام بالطب والأطباء، فجاء عيسى بمعجزة هي أقوى من قوانين الطب وهي إحياء الموتى وإبراء العمي وغير ذلك، فاشتهر في عصر سليمان عليه السلام الملك وكثرة الجند والمال، فأراد عليه السلام أن يكون له من ذلك ما لا يقدر عليه غيره، فملكه الله ملكاً عظيماً، ولم يجعله شاغلاً له عن زهده وعبادته وكيف ينشغل عن الله بدنيا فانية، وقد قال الله تعالى فيه: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} [ص: 39]. فهو من المقربين وذو مكانة عند الله عزَّ وجل وله حسن المرجع وهو الجنة.

      وقد قدَّم الاستغفار على طلبه {رب اغفر لي وهب لي ملكاً} ليكون أدعى للإجابة.

      8- ما ورد في حق موسى عليه السلام:

      قال الله تعالى: {ولما بلغ أشدّه(1) واستوى(2) آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين * ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته(3) وهذا من عدوه فاستغاثه(4) الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه(5) موسى فقضى(6) عليه قال هذا من عمل

___________________

(1) قوَّة بدنه ونهاية نموه.

(2) كمُل عقله.

(3) جماعته.

(4) ناداه لينصره.

(5) فدفعه.

(6) فقتله.

الشيطان إنه عدو مضل مبين قال ربّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيراً(1) للمجرمين} [القصص: 14-17].

      القصة هي أن موسى لما دخل على المدينة في وقت انتصاف النهار والناس في هذا الوقت يأخذون قسطاً من الراحة فتكون الأسواق مغلقة، وجد رجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل من جماعة موسى لأنه عليه السلام من بني إسرائيل، والآخر عدوٌ لموسى قبطي من آل فرعون، فناداه الإسرائيلي لينصره على القبطي، فاستجاب موسى لذلك، فدفع الرجل الذي هو من آل فرعون فقتله، فاستغفر الله على فعله فغفر الله له.

      في هذه القصة لم يصدر من موسى عليه السلام ذنب أو معصية لأن الوكز عادة ليس قاتلاً إنما هو دافع، فظن أنه بهذا الوكز سيمنع القبطي من الاقتتال، ولكن كان الوكز قاتلاً للقبطي، فهذا قتل خطأ كان بغير قصد فلا إثم عليه، وأمَّا قوله تعالى: {هذا من عمل الشيطان} [ص: 15] إنه إشارة إلى القتل الحاصل بغير قصد، لأنه قتل قبل أن يؤذن له بالقتل، فلو قتله بإذن من الله لؤجر عليه لأنه قتل بحق. فطلب من الله أن يغفر له بسبب فعله فغفر له {قال ربِّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} [ص: 16].

      - ما ورد أيضاً في حقه عليه السلام:

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له: أجب ربك. قال: فلطم(2) موسى عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إن أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني، قال: فردَّ الله عينه، وقال: ارجع إلى عبدي -إلى موسى- فقل: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور(3)، فما توارت(4) يدك من شعرة، فإنك تعيش بها سنة. فقال موسى عليه السلام: ثم مه(5)؟ قال -ملك الموت-: ثم تموت. قال -موسى-: فالآن من قريب، ربِّ أمتني من الأرض المقدسة رميةً بحجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب(6) الأحمر". متفق عليه اللفظ لمسلم

      توضيح الحديث: إن الله تعالى أخبر رسوله موسى عليه السلام بأنه لا يموت حتى يخبره الله ويخيره بين الموت والحياة. لأنه ورد في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها: "لن يقبض نبيٌّ

__________________

(1) معيناً.

(2) ضرب.

(3) ظهر ثور.

(4) غطت.

(5) أي ماذا يكون بعد ذلك.

(6) المُجَتمع من التراب.

مقعده من الجنة، ثم يُحيَّا أو يخيَّر" فلما أتاه الملك بصورة رجلٍ ودخل عليه من غير استئذان، ولم يحيه ولم يخبره شُقَّ عليه ذلك، وكان موسى عليه السلام سريع الغضب، ولذا لما رجع إليه وخيَّره بين الحياة والموت انقاد للأمر واستسلم.

      - دفع شبهة:

      بعض من الناس تطعن في هذا الحديث من حيث المعنى ويتعجبون في مسألة الملك كيف يضرب وتفقأ عينه؟

      الجواب: إن المَلَك إذا تمثل بشكل إنسان فإنه يصيبه من العوارض ما يصيب الجسم الإنساني كالغبار والإصابة بآفة كضربة ولكنه لا يأكل ولا يشرب(1).

      9- ما ورد في حق نبي عليه السلام لم ينصَّ على اسمه بالتمام:

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن نبياً قرصته نملة فحرَّق قرية النمل، فأوحى الله إليه: إن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم" متفق عليه.

      إن الله عاتب هذا النبي وندبه إلى احتمال الصبر وترك التشفي(2) لأنه قد أحرق جماعة من النمل، ولم تؤذِه إلا واحدة منها والله يقول: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين} [النحل: 126]. فظاهر فعله إنما كان لأجل أنها آذته فانتقم لنفسه عليه السلام، وقد منع المضرة من جماعة النمل بطريق الإحراق، لأنه توقع أنها ستضر غيره من الناس، والمعاتبة تتأكد أكثر، لأنه قتل النمل بواسطة النار وهذا تعذيب ولا يعذب بالنار إلا خالقها.

      ولكن لم يأت نصُّ من الكتاب أو السنة يبين أن الله قد نهاه عن ذلك أو أنه عصى أو أنه تاب من ذلك واستغفر والله أعلم.

      10- ما ورد في حق محمد صلى الله عليه وسلم:

      1- قال الله تعالى:

      {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً} [الفتح: 1 - 2].

      {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم} [محمد: 19]. ففي الآتيان تصريح بالذنب، والمراد ما كان عن سهو أو غفلة أو اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم في أمر لم يكن فيه نص فيختار باجتهاده الفاضل عن الأفضل، وهذا بالنسبة لمقام الأنبياء يعاتب به ويؤاخذ عليه، ويعدُّ ذنباً بالإضافة إلى عَليِّ منصبهم، ومعصيةً بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا كذنوب غيرهم ومعاصيهم.

__________________

(1) أنظر بحث الملائكة في تشكيلات الملائكة.

(2) الأنتقام بما يشفي الغيظ، ويبرد الصدر.

         - قال الله تعالى: {ووضعنا عنك وزرك(1) الذي أنقص(2) ظهرك} [الانشراح: 2 - 3].

      ليس في النص المذكور ما يدلُّ على معصية أو ذنب، فإن معنى النص أن الله خفَّف عنك أعباء الرسالة والقيام بأمرها حيث كان حمل الرسالة شديداً عليك، وهنا كأنه شُبِّهَ الرسول صلى الله عليه وسلم بحامل شيء ثقيل عظيم على ظهره حتى انتقض ظهره.

      2- وقال الله تعالى:

      {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداوة(3) والعشىِّ(4) يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين} [الأنعام : 52].

      فالآية لا تنص على معصية أو ذنب، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يطرد القوم الذين لا يعبدون ربهم دون انقطاع ويخلصون في عبادتهم، لأنه لو طردهم لكان من الظالمين، فسبب الظلم هو طرد هؤلاء المؤمنين المخلصين. وسبب نزول الآية: أن قوماً من قريش مرَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمَّار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيتَ بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك فنزلت هذه الآية. فالله أمره وحذره بأن لا يطرد القوم الضعفاء الفقراء بسبب رؤساء قريش الذين شُق عليهم أن يجالسوا هؤلاء الفقراء، فإنَّ من أراد الإيمان فعليه أن يتنازل عن كبريائه وعن عجرفته، ومن أراد الحقيقة لا تهمه مظاهر الفقر ومجالسة الضعفاء.

      3- وقال الله تعالى:

      {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن(5) في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 67، 68].

      سبب نزول الآية:

      عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما أسروا الأسرى - يعني يوم بدر - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: "ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ فقال: لا والله يا رسول الله لا أرى الذي رأى أبو بكر ولكنني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من

_______________

(1) حملك الثقيل.

(2) أثقله.

(3) أول النهار.

(4) آخر النهار.

(5) يبالغ في القتل حتى يذلَّ الكفر.

عقيل (أي أخيه) فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - قريب عمر - فأضرب عنقه، وتمكن فلاناً من فلان قرابته، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان قلت: يا رسول الله: أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبكي للذي عرض على أصحابك في أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة -لشجرة قريبة منه- وأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية المذكورة آنفاً.

      لقد عتب الله عتاباً شديداً على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه الذين اختار صلى الله عليه وسلم رأيهم وكان هذا توجيهاً وتعليماً للأخذ بالأكمل والأفضل والتمهل وعدم التسرع في مثل هذه الأمور الدقيقة حتى يأذن الله سبحانه وتعالى بأمر منه.

      غاية الأمران رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار بعض أصحابه في أسرى بدر وبعد المشاورة حصل رأيان، رأي يحبِّذ الفدية أي أن الأسرى يعطوا عوضاً مقابل حريتهم وإطلاق أسرهم، ورأي آخر يحبذ أن يقتلهم جميعاً فلا يبقى منهم أحد.

      والرأي الأول له وجهة نظر: وهي أن أخذ الفدية من الأسارى تقوي المسلمين وخاصة أن المسلمين بحاجة إلى أموال وعون مادي في هذه المرحلة فجاءت الفدية في محلهّا، ولعل في استبقاء الأسرى هدايتهم والرجوع إلى الله.

      والرأي الثاني له وجهة نظر أخرى: إن في سفك دماء الكافرين والمشركين وإراقتها تضعيفاً لشوكة الكفر، وزعزعة عزيمة المشركين، وخاصة في أول معركة للمسلمين التي كانت حاسمة وفي ذلك يكون العزُّ والنصر لله ولرسوله وللمؤمنين.

      فاجتهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الرأيين واختار الرأي الأول ثم وجهه الله تعالى إلى الرأي الثاني، وعاتبه لأن مصلحة الأمة في هذه المرحلة إعزاز المسلمين، ولا يتم إلا بقتل الأسرى، وليس فيه إلزام ذنب للنبي وأصحابه ذي الرأي الأول لأن الله سبحانه قال: {ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [68] أي لولا حكم من الله سبق أن لا يعذب أحداً على العمل بالاجتهاد لنالكم وأصابكم فيما أخذتم من فداء الأسرى عذاب عظيم.

      4- قال الله تعالى: {انفروا(1) خفافاً وثقالاً(2) وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله

 ________________

(1) أخرجوا غزاة.

(2) خفافاً وثقالاً: على آية حالةٍ كنتم.

ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون* لو كان عرضاً قريباً(1) وسفراً قاصداً(2) لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة(3) وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون* عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين* لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين* إنما يستئذنك الذي لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت(4) قلوبهم فهم في ريبهم يترددون(5)} [التوبة:41-45]

      إن الله أمر بالخروج للقتال في سبيل الله ولكن بعض المنافقين اعتذر من رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنه في ترك الخروج للجهاد لعدم الاستطاعة، فنزل العتاب من الله {عفا الله عنك لما أذنت لهم}.

      ولكن أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتهاداً منه فيما لا نصَّ فيه من الوحي، وهو جائز للأنبياء عليهم السلام، وليسوا معصومين من الخطأ فيه ولكن لا يقرهم الله على ذلك، بل يبين لهم الأصوب والأفضل وغاية ما في الأمر في هذه الآية أنه مخالف لما يقضيه الجزم أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجزم في الأمر فكان الأفضل له صلى الله عليه وسلم فيه أن يأذن لهؤلاء المنافقين في ترك الجهاد والخروج في سبيل وان يتشدد في ذلك فوجهه وعلّمه إلى ما هو الأفضل والأكمل.

      5- وقال الله تعالى: {وإذا تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت(6) عليه أمسك عليك(7) زوجك وأتق الله وتخفِى في نفسك ما الله مبديه(8) وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيدٌ منها وطرأ(9) زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج(10) في أزواج أدعيائهم(11) إذا قضوا منهن وطرأ وكان أمر الله مفعولاً* ما كان على النبي من حرج فيما فرض(12) الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل(13) وكان أمر الله قدراً مقدوراً} [الأحزاب: 37، 38].

 _____________________________

(1) عرضاً قريباً: مغنماً سهل المأخذ.

(2) سفراً قاصداً: متوسطاً بين القريب والبعيد.

(3) المسافة التي تقطع بمشقة.

(4) شكت.

(5) يتحيدون.

(6) وهو زيد بن حارثة أعتقه رسول الله وجعله ابناً له بالتبني.

(7) لا تطلقها.

(8) مظهره.

(9) بلغ حاجته وطلقها.

(10) ضيق أو إثم.

(11) مَن تبنَّوْهُم.

(12) قدَّر.

(13) الذي خلوا من قبل = وصفوا من قبلك من الأنبياء.

      نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش وهي بنت عمة(1) رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجها مولاه زيد بن حارثة وكان عبداً فأعتقه صلى الله عليه وسلم ثم تبناه وكان يقال له زيد بن محمد وكانت هذه الحادثة اثباتاً لتحريم التبني، فكرهت وأبت، فنزل قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً} [الأحزاب: 36].

      فما كان من زينب إلا الرضا بقضاء الله ورسوله، فلو لم ترض بذلك لوقعت في عصيان الله، فرضيت بزواج زيد بن حارثة فزوجها إياه، ثم أعلم الله عزَّ وجلَّ نبيه بعد ذلك أنها من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشى أن يأمره بطلاقها فأمره عليه الصلاة والسلام أن يتقي الله، وأن يبقي زوجته ويمسكها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشى أن يعيب قومه عليه ويقولوا تزوج امرأة ابنه، فنزل العتاب {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} ثم بعد ذلك طلقها زيدٌ، وأخذت عدتها ثم كانت من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

      تنبيه مهم: افترى أناسٌ من المستشرقين ومن كان على شاكلتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ زينب فكتم حبه ثمَّ أظهره الله بعد ذلك، فعلم زيد برغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في زينب فطلقها، ثم بعد ذلك تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعموا أنَّ العتاب في الآية كان لكتمان حب الرسول صلى الله عليه وسلم لزينب، وأتوا برواية أخرى، كلُّها إما مدسوسة وإما واهية وإما موضوعة، وفيها كذب صريح وافتراء على رسول الله، ومخالفة واضحة لما جاء به القرآن في هذه الحادثة.

      والآية صريحة في هذا الأمر، فقد نصت الآية أن الله سيكشف ما أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم {وتخفي في نفسك ما الله مبديه(2) } فماذا أبدى الله وأظهره؟ هل أظهر تعلق قلب رسول الله بزينب أو أظهر حبَّ رسول الله وكان هائماً بها؟ حاشاه انما الذي أظهره الله تعالى في الآية زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب لأن الله قد أوحى إليه وأخبره بأنها ستكون زوجته، وكان نص الآية صريحاً حيث بين بوضوح هذا الشيء الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم {فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها} وماذا كان تعليل هذا الزواج؟ هل كان بسبب تعلق القلب بزينب أو بسبب فرط الحب؟

 _____________________________

(1) عمته صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب.

(2) مُظهِرُه.

      إن هذا لا يخفى على أي إنسان يعرف مبادئ القراءة، فجاء التعليل جلياً {لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً} إنما كانت هذه القصة لوضع تشريع جديد يهدم مفهوماً ومبدأ قائماً في الجاهلية ألا وهو (زواج امرأة الابن من التبني)، فجاء هذا الحكم ليعلم أن الرابطة بين المتبني والمتبنى ليست رابطة نسبية، فلا يحرم على المتبني أن يتزوج امرأة المتبنى إذا حدث بينهما انفصال، بخلاف الرابطة النسبية فإنه يحرم على الأب أن يتزوج امرأة ابنه مطلقاً حيث تصير محرمة عليه حرمة أبدية، وجاء بعد ذلك تحريم التبني صريحاً في قوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم(1) أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل * ادعوهم لآبائهم هو أقسط(2) عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم(3)} [الأحزاب: 4، 5].

      فالقصة تدور حول ثلاث نقاط أساسية:

      - إخفاء الرسول صلى الله عليه وسلم زواجه من زينب. بعد أن أخبره الله بأنها ستكون زوجته.

      - إظهار هذا الزواج بنص صريح.

      - إبطال قضية تحريم زواج امرأة الابن المتبنى إذا حدث فراق.

      والعتاب في الآية {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} هو توجيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يكترث لكلام الناس ومقالهم ولا يخاف الضجة الكبرى التي ستحدث على ألسنة المنافقين ولا يتراخى في إنفاذ أمر الله.

      والمعنى لا تلتفت إلى كل ذلك ولا تخشى أحداً منهم، ولكن الجدير في ذلك أن تخشى الله عزَّ وجلَّ، وليس المعنى أن خشيته من الناس فوق خشية الله عزَّ وجلَّ، وكيف ذلك؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام "إني لأخشاكم لله"، فحاشاه من ذلك. وليس في كل الحادثة ما يطعن بعصمة الرسول صلى الله عليه وسلم.

      و- السلامة من العيوب المنفرة:

      إن صفة السلامة من العيوب المنفرة من خصائص الأنبياء عليهم السلام. فالأنبياء عليهم السلام لا يتصفون بصفة فيها عيبٌ خلقي يبتعد الناس عنهم، فلا تتعرض أبدانهم لأمراضٍ وأعراض شائقة التي تتقزز منها طبائع الناس، كجذام وبرص.

___________________

(1) من تبتنَّوهم من أبناء غيركم.

(2) أُعدل.

(3) أولياؤكم في الدين.

      الحكمة من ذلك: لما كانت مهمة الرسل عليهم السلام تستدعي مخالطة الناس لدعوتهم وإرشادهم، ولما كانت طبائع الناس تنفر من بعض الأمراض المشينة كان من حكمة الله أن يحفظ رسله من كل هذه الأعراض المنفرة التي تشمئز الناس منها.

      ولو تعرض الرسل للأمراض المنفرة لاستدعى هذا الأمر الابتعاد عن الرسل، وهذا فيه منافاة لمهمة الرسالة التي تستدعي جلب قلوب أهل الكفر إلى الحق والطاعة بأفضل سبل وأحكمها، وتستدعي تأليف قلوب المسلمين للإقبال على رسولهم ومحبته والشوق إلى مجالسته.

      أمَّا الأمراض غير المنفرة فهي تعرض على الأنبياء عليهم السلام، وهذا لا يؤدي إلى نقص مراتبهم ولكن فيه ابتلاء من الله عزَّ وجلَّ.

      وقد أصيب أيوب عليه السلام بمرضٍ ابتلي به، وأصيب بضرٍ في أولاده، قال الله تعالى في شأنه: {وأيوب إذ نادّى ربَّه أني مسني الضرُّ وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضرٍ وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين} [الأنبياء: 83، 84].

      تنبيه: ما روي أن أيوب عليه السلام مرض واشتد به المرض حتى تعفن جسده وأصبح الدود يخرج من بدنه فصار يعافه الجليس، ويتوحش منه الأنيس، وانقطع عنه الناس، حتى كرهته زوجته، فأخرج من البلد وألقي في مزبلة .. كله لا أصل له وهو من الحكايات المنقولة من الإسرائيليات ولا يصح تصديقها ولا الاعتقاد بها، لأنها تتنافى مع منصب النبوة.

      وحسبنا أن نعتقد أن أيوب عليه السلام أبتلي بمرض ليس بمنفر وصبر على هذا الابتلاء فدعا الله أن يكشف عنه هذا الضر. فاستجاب الله دعاءه فأزال عنه ما ألمَّ به.

      ز- صفة البشرية لازمة للأنبياء:

      إن صفة البشرية للأنبياء والرسل لا تنسلخ عنهم، فهم بشرمثلنا إنما يختلفون بالوحي الذي يؤيدهم الله به، وبما يتصفون من صفات خاصة تتعلق بوظائف الرسل والأنبياء قال الله تعالى: {إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد * فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عمل صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} [الكهف: 109، 110].

      - الحكمة من ذلك:

      إن الله بعث إلى البشر رسلاً منهم، فيهم جميع مواصفات البشر ليكونوا في أقوالهم وأفعالهم ودعوتهم حجة على الناس، وليكون هذا أدعى للقدوة بالرسل لأنه داخل في استطاعة البشر وفي مقدورهم.

      ولو كان الرسل أو الأنبياء من الملائكة لبرر الناس مخالفتهم ولاحتجوا عليهم: لو أنكم بشر مثلنا لوقعتم في المخالفات والمعاصي لأنَّ أجسادنا فيها من الغرائز الشهوانية، وانتم لا تختزنون في أنفسكم شيئاً من الشهوة، ولا شيئاً من الغرائز البشرية، فلذا لا نستطيع متابعتكم.

      فمن هنا اقتضت حكمة الله عزَّ وجلَّ ان يبعث رسلاً من البشر.

      فالأنبياء عليهم السلام بشر، فيجوز في حقهم الأعراض البشرية التي لا تنافي أصل مهمتهم كالأمراض غير المنفرة والأكل والشرب والنكاح وغير ذلك.

      قال الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام: {وما جعلناكم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين} [الأنبياء: 8]

      وقد ذكر القرآن الكريم اعتراض الكافرين على طعام رسول الله ومشيه في الأسواق، وطلبهم أن ينزل إليه ملك يكون معه رسولاً، فرُدَّ على اعتراضهم بأن هذا الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن بدعاً في الرسل، فكل الرسل كانوا على شاكلته يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.

      - اعتراض الكافرين:

      {وقالوا مالِ هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً} [الفرقان: 7].

      الردُّ عليهم:

      {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} [الفرقان: 20].

 __________________

(1) لا يلتفت إلى الروايات التي جاءت من أهل الكتاب وهي الروايات الإسرائيلية في هذا الموضوع حيث تروي عن يوسف عليه السلام بما لا يليق بحاله وهو النبي المحفوظ المكرم المخلص فمن هذه الروايات "أن يوسف عليه السلام حلَّ تكة سرواله وقعد بين شعابها الأربع وهي مستلقية على قفاها وانه سمع صوتاً إياك وإياهَّا مرتين فكل هذه الأقاويل باطلة ولا أساس لها من الصحة، وحسبنا أن نعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها ولهذا قال تعالى: {وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف : 24]

هذا وكل ما ورد من النصوص عن يوسف عليه السلام ليس فيه نص على معصية صدرت منه.

تنبيه أول : وأمَّا قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف فيها نقص ينسب إليه مما لا يناسب مقامه، وأما إخوته فلم تثبت نبوتهم، وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء ليس صريحاً في كونهم من الأنبياء.

تنبيه ثان : إن بعض الناس يستدل بما حصل مع يوسف عليه السلام وامرأة العزيز ويصف يوسف نبي الله بأنه استجاب واستكان للمرأة وحاول أن يرتكب الفاحشة ليبرر وقوعه في المعصية فيقول: إذا كان يوسف عليه السلام فعل ذلك فأنا أفعل من باب أول. وهذا جهل بأحكام الدين، وجهل بمقام الأنبياء عليهم السلام.

(2) ذا بمعنى صاحب والنون بمعنى الحوت، أي صاحب الحوت وهو يوسف عليه السلام.

 

 

YallaYaArab 2002 - 2009   

Powered by: الياس السوداني   

 

::+: الياس السوداني للتصميم والتطوير والاستضافه :+::